عبد الرحمن بدوي

113

أرسطو عند العرب

حركة ، من غير أن أحدهما سبب للآخر ، بل أن يليا الحركة معا ، لكان يجب أن يحركا معا ، وتكون صورتهما في أنهما يحركان صورة واحدة . ثم إذا تأملنا لم نجد هناك إلا عقلا يروّى فيشتهى ثم يحرك ، فلا يجد للعقل تحريكا إلا الذي يتبع الشوق الذي فيه ، فيكون التحريك مبدؤه القريب هو الشوق ، وذلك لأن العقل يبتدئ فيروّى بطلب ما يختاره ويشاؤه ، وهو كأنه طلب تشوقه . ( ا ) يجوز أن يعنى هاهنا بالشهوة الشوق ، فيقول : وأما الشوق فليس بينه وبين الحركة واسطة فكر ، كما كان للعقل حاجة إلى فكر ليحدث شوق ثم تحدث حركة . ويجوز أن يعنى به الشهوة الحيوانية ، فيقول : إن هذه القوة الشهوانية ينبعث فيها شوق من غير فكر ، بل هي في نفسها قوة شوقية ، وكمالها الشوق . ( ب ) يعنى بالمستقيم : ما جمع مع إصابة الغرض وحدانية المسلك . ويعنى بغير المستقيم : ما إما أن يكون مخطئ الغرض ، أو يكون مفتنّ السبيل إلى الغرض فيأخذ السبيل الأبعد ، أو يجمع بين الأمرين . - إنه لما قال المشتهى والمتشوق إليه محرك على أنه غاية ، لاح من ذلك أنه يعنى أن المحرك الذي هو مبدأ الحركة ، لا على أنه غاية ، هو الشوق ؛ فجعل الشوق أمرا هو مبدأ الحركة . فالذي يجب أن تعلم أنه : هل هذا الشوق هو قوة أخرى غير الشهوة وغير الغضب وغير العقل العملي ، أو هو فعل تام من أفعال هذه القوى إذا تحركت وانتهت إلى تمام الحركة ؟ كأن هذا الشوق يفاد « 1 » عنه التحريك . وأيضا يجب أن يحقق : لم صار الشوق مبدأ الحركة ؛ وقد قال من قبل إن الناسك يشتاق فيمنعه العقل . ومما يجب أن يحقق أيضا ؛ أنه هل الشوق مبدأ كالأمر وبعده قوى محركة هي كالخوادم ، وهي المبادي القريبة للحركات ؟ فنقول : إنه لا حاجة إلى قوة أخرى للشوق غير القوى الثلاث ، وأن يفعل الشوق إذا تمثل وتم ، حرّك . ويقول إن هذا الشوق ليس يراد به الشوق الساذج الذي يزيد وينقص ويكسر ويخالف ، بل يعنى به الشوق العزمى الإجماعى ، فإنه يحرّك بالضرورة إذا لم يكن حائل ؛ وأنه ليس كشوق الناسك ، فذلك شهوة فقط ، وليس معها العزم الإجماعى الذي هو من العاقل مشيه .

--> ( 1 ) ن : يضاد .